ابن أبي الحديد

134

شرح نهج البلاغة

له صورة ، وهي أن يجرد السيف ويمد العنق ، ولم يكن قد وقع ذلك ، ولا يمكنكما أن تدعياه ، وإن كنتما بايعتماني لا عن رضا ولا مكرهين بل كارهين ، وبين المكره والكاره فرق بين ، فالأمور الشرعية إنما تبنى على الظاهر ، وقد جعلتما لي على أنفسكما السبيل بإظهاركما الطاعة ، والدخول فيما دخل فيه الناس ، ولا اعتبار بما أسررتما من كراهية ذلك . على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون لكان المهاجرون في كراهية ذلك سواء ، فما الذي جعلكما أحق المهاجرين كلهم بالكتمان والتقية ! . ثم قال : وقد كان امتناعكما عن البيعة في مبدأ الامر أجمل من دخولكما فيها ثم نكثها . قال : وقد زعمتما أن الشبهة التي دخلت عليكما في أمري أنى قتلت عثمان ، وقد جعلت الحكم بيني وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة ، أي الجماعة التي لم تنصر عليا ولا طلحة كمحمد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمر ، وغيرهم ، يعنى أنهم غير متهمين عليه ولا على طلحة والزبير ، فإذا حكموا لزم كل امرئ منا بقدر ما تقتضيه الشهادات . ولا شبهة أنهم لو حكموا وشهدوا بصوره الحال لحكموا ببراءة علي عليه السلام من دم عثمان وبأن طلحة كان هو الجملة والتفصيل في أمره وحصره ، وقتله ، وكان الزبير مساعدا له على ذلك ، وإن لم يكن مكاشفا مكاشفة طلحة . ثم نهاهما عن الاصرار على الخطيئة ، وقال لهما : إنكما إنما تخافان العار في رجوعكما وانصرا فكما عن الحرب ، فإن لم ترجعا اجتمع عليكما العار والنار ، أما العار فلأنكما تهزمان وتفران عند اللقاء فتعيران بذلك ، وأيضا سيكشف للناس أنكما كنتما على باطل فتعيران بذلك ، وأما النار فإليها مصير العصاة إذا ماتوا على غير توبة واحتمال العار ، وحده أهون من احتماله واحتمال النار معه .